قد فكّرنا بأمور كثيرة في تلك الشهور الخرساء التي مرّت بلا خطاب و لا جواب ، و لكنّه لم يخطر على بالنا كونهم أوفياء و صادقين ، أما الآن و قد صرّحوا لنا بهذا الوفاء و الصدق فلا يجمل بنا سوى مجاراتهم فنحن نصدّق و نثق بكل كلمة يقولونها لنا !

لقد كان يومنا هذا مفعما بالأعمال . منذ الساعة التاسعة صباحا و نحن نودّع قوما لنسلم على قوم آخرين . و لكن بما نجيبكم على كلماتكم بشأن ذلك اليوم ؟ ماذا نقول لكم ؟ ليس ذاك اليوم سوى القليل من الكثير الذي رأيناه و نراه في كل يوم في قلوب الناس الصامتة و في أرواحهم المشتاقة إلى الترفيه . لم يقم في الأرض من استطاع أن يأتي بشيء من عنده كفرد واحد منفصل عن الناس كافّة. و ليس بيننا من يقدر على أكثر من فعل ما يقوله الناس له على غير معرفة منهم .

إنّما كان ذاك اليوم أول حرف من كلمة ... توهّموا في الماضي أن هذه الكلمة لهم و فيهم و منهم ، لذلك لم يستطيعوا تهجئة أول حرف من حروفها ، و كان عدم استطاعتهم سبب مرضهم ، بل و كان سبب ألم و حرقة في روحهم . و بعد ذلك شاء الله و فتح عينيهم فرأوا النور ، ثم شاء الله و فتح آذاننا فسمعنا الناس يلفظون هذا الحرف الأوّل ، شاء الله و فتح شفاههم فرددوا لفظ الحرف : ردّدوه مبتهجين فرحين لأنهم عرفوا أن الناس هم ، هم كل شيء و أننا بذاتنا المنفصلة لسنا شيئا . و أنتم أعرف الناس بما كان في ذلك من الحرية و الراحة و الطمأنينة ، أنتم أعرف الناس بشعور من وجد نفسه فجأة خارج حبس ذاتيّته المحدودة .

لقد حمدنا الله و شكرنا النهار و طوله لأنهم كانوا طوال النهار يتكلمون بألسنتنا و يأخذون بأيدينا و يعطون بأيدينا . و كنا طوال النهار ننظر بأعينهم فنرى اللطف في وجوه الناس و نصغي بآذانهم فنسمع العذوبة في أصواتهم .

و أنتم تساعدوننا الآن على الإصغاء إلى الحرف الثاني و سوف تساعدوننا على لفظه ، و سوف تكوننا معنا دائما .

سنعود غدا إلى حديثنا ، أما الآن فلنصعد إلى العلياء و نقف أمام نجوم الليل هنيهة ... قولوا لي هل الليل أعمق و أروع من قلب الإنسان ؟ و هل مواكب النجوم أهيب و أجمل مما يتمشى في قلب الإنسان ؟ و هل في الليل أو بين النجوم أقدس من هذه الشعلة البيضاء المرتعشة في يد الله ؟

ما أعذب الثقافة حين تقف مرتعشة مخجولة أمام نفسها . الله يحرسها و يباركها . سلام